العيني

112

عمدة القاري

عنه ، وحكى عن آخرين أنه يعرفها ثلاثة أيام ، حكاه عن الشاشي وقال بعض الشافعية هذا إذا أراد تملكها ، فإن أراد حفظها على صاحبها فقط فالأكثرون من أصحابنا على أنه لا يجب التعريف والحالة هذه ، والأقوى الوجوب ، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين القليل والكثير في وجوب التعريف ، وفي مدته ، والأصح عند الشافعية أنه لا يجب التعريف في القليل منه ، بل يعرفه زمناً يظن أن فاقده يتركه غالباً . وقال الليث : إن وجدها في القرى عرفها ، وإن وجدها في الصحراء لا يعرفها . وقال المازري : لم يجر مالك اليسير مجرى الكثير ، واستحب فيه التعريف ولم يبلغ به سنة ، وقد جاء أنه عليه السلام : ( مر بتمرة ، فقال : لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها ) . فنبه على أن اليسير الذي لا يرجع إليه أهله يؤكل . وفي ( سنن أبي داود ) عن جابر ، رضي الله عنه : رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصا والسوط والحبل وأشباهه ، يلتقطه الرجل وينتفع به . وقد حد بعض العلماء اليسير بنحو الدينار تعلقاً بحديث علي ، رضي الله عنه ، في التقاط الدينار . وكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر له تعريفاً ، رواه أبو داود أيضاً في ( سننه ) ، ويمكن أن يكون اختصرها الراوي ، هكذا كلام المازري . وقال القاضي : حديث أبي ، رضي الله عنه ، يدل على عدم الفرق بين اليسير وغيره لاحتجاجه في السوط بعموم الحديث . وأما حديث علي ، رضي الله عنه ، فعرفه علي ولم يجد من يعرفه . قلت : أراد بحديث أبي ، هو قوله : ( وجدت صرة ، مائة دينار ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ، عرفها حولاً ، فعرفتها فلم أجد من يعرفها ، ثم اتيته فقال : عرفها حولاً ، فعرفتها فلم أجد ، ثم أتيته ثلاثاً فقال : احفظ وعاءها وعددها ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع ) . قال الراوي : فلقيت ، يعني أبي بن كعب ، فقال : لا أدري ثلاثة أحوال أو حولاً واحداً . وقال بعض العلماء : إن السوط والعصا والحبل ونحوه ليس فيه تعريف ، وإنه مما يعفى عن طلبه ، وتطيب النفس بتركه كالتمرة وقليل الطعام . وقال أصحاب الشافعي : اليسير التافه الذي لا يتمول كالحبة من الحنطة والزبيب وشبهها لا يعرف ، وإن كان قليلاً متمولاً يجب تعريفه ، واختلفوا في القليل ، فقيل : ما دون نصاب السرقة ، وقيل : الدينار فما فوقه ، وقيل : وزن الدرهم . واختلفوا أيضاً في تعريفه . فقيل : سنة كالكثير ، وقيل : مدة يظن في مثلها طلب الفاقد لها ، ، وإذا غلب على ظنه إعراضه عنها سقط الطلب ، فعلى هذا يختلف بكثرة المال وقلته ، فدانق الفضة يعرف في الحال ، ودانق الذهب يوماً أو يومين . الخامس : الاستمتاع بها إن كان فقيراً ، ولا يتصدق بها على فقير أجنبي أو قريب منه ، وأباح الشافعي للغني الواجد لحديث أبي بن كعب فيما رواه مسلم وأحمد : ( عرفها ، فإن جاء أحد يخبرك بعدتها ووعائها ووكاءها فاعطها إياه وإلاَّ فاستمتع بها ) . وبظاهر ما في هذا الحديث أعني حديث الباب : ( ثم استمتع بها ) . قال الخطابي : في لفظ : ثم استمتع ، بيان أنها له بعد التعريف ، يفعل بها ما شاء بشرط أن يردها إذا جاء صاحبها إن كانت باقية ، أو قيمتها إن كانت تالفة ، فإذا ضاعت اللقطة نظر ، فإن كان في مدة السنة لم يكن عليه شيء ، لأن يده يد أمانة ، وإن ضاعت بعد السنة فعليه الغرامة لأنها صارت ديناً عليه . وأغرب الكرابيسي من الشافعية ، فقال : لا يلزمه ردها بعد التعريف ، ولا رد بدلها ، وهو قول داود ، وقول مالك في الشاة . وقال سعيد بن المسيب والثوري : يتصدق بها ولا يأكلها ، وروي ذلك عن علي وابن عباس . وقال مالك : يستحب له أن يتصدق بها مع الضمان . وقال الأوزاعي : المال الكثير يجعل في بيت المال بعد السنة . وحجة الحنفية فيما ذهبوا إليه قوله صلى الله عليه وسلم : ( فليتصدق به ) ، ومحل الصدقة الفقراء وأجابوا عن حديث أبي ، رضي الله عنه ، وأمثاله بأنه حكاية حال ، فيجوز أنه ، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، عرف فقره ، إما لديون عليه ، أو قلة ماله أو يكون إذناً منه ، عليه الصلاة والسلام ، بالانتفاع به ، وذلك جائز عندنا من الإمام على سبيل القرض ، ويحتمل أنه ، عليه الصلاة والسلام ، عرف أنه في مال كافر حربي . السادس : استدل المازري لعدم الغرامة بقوله ، عليه الصلاة والسلام : ( هي لك ) ، وظاهره التمليك ، والمالك لا يغرم . ونبه بقوله : ( للذئب ) أنها كالتالفة على كل حال ، وأنها مما لا ينتفع صاحبها ببقائها . وأجيب : لأبي حنيفة والشافعي ، رحمهما الله تعالى ، بأن اللام للاختصاص ، أي : إنك تختص بها ، ويجوز لك أكلها وأخذها ، وليس فيه تعرض للغرم ولا لعدمه ، بل بدليل آخر ، وهو قوله : ( فإن جاء ربها يوماً فأدها إليه ) . السابع : فيه دليل على جواز الحكم والفتيا في حال الغضب ، وأنه نافذ . لكن يكره في حقنا بخلاف النبي ، عليه الصلاة والسلام ، لأنه يؤمن عليه في الغضب ما يخاف علينا . وقد حكم ، عليه الصلاة والسلام ، للزبير ، رضي الله عنه ، في شراج الحرة في حال غضبه . الثامن : فيه جواز قول الإنسان : رب المال ورب المتاع . ومنهم من كره إضافته إلى ما له روح . التاسع : في قوله : ( اعرف عفاصها